تواجه مصر موجة متسارعة من استحواذات صناديق الثروة السيادية الخليجية على أصول وشركات حكومية، في ظل أزمة اقتصادية وضغوط متواصلة من صندوق النقد الدولي لتسريع برنامج الخصخصة والتخارج من ملكية الدولة. ويرى الباحثان الاقتصاديان محمد رمضان وعمر غنام أن هذه الصفقات لا تمثل مجرد تدفقات طبيعية للاستثمار الأجنبي، بل ارتبطت بدرجة كبيرة بحاجة الحكومة المصرية إلى توفير السيولة الدولارية خلال سنوات الأزمة، وهو ما يثير أسئلة جوهرية حول الشفافية، وتسعير الأصول، والرقابة المؤسسية، والأثر التنموي طويل الأجل.
وتحلل مبادرة الإصلاح العربي، في دراسة أعدها رمضان وغنام بالتعاون مع منظمة Women For Justice، طبيعة الاستحواذات الخليجية في مصر من منظور اقتصادي ومؤسسي، مع التركيز على التحديات التي تواجه حوكمتها، وفي مقدمتها ضعف الشفافية في الصفقات المعلنة وتراجع أدوار الجهات الرقابية والحكومة والبرلمان والقضاء. وتجادل الدراسة بأن هذه المؤسسات يفترض أن تؤدي دورًا أساسيًا في تنظيم عمليات الاستحواذ وحماية المال العام.
ترى الدراسة أن بيع الأصول العامة أصبح سمة أساسية للأزمة الاقتصادية المصرية خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا منذ توقيع اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي في نهاية عام 2022. وفرض الاتفاق على الحكومة تعبئة تمويل إضافي بقيمة 14 مليار دولار من شركائها الإقليميين والدوليين، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي، عبر التخارج من أصول مملوكة للدولة.
استحواذات الخليج وأزمة الدولار في مصر
ركز صندوق النقد الدولي، خلال مراجعاته المتتالية لبرنامج مصر، على ضرورة تسريع بيع الأصول الحكومية، فيما برر صندوق مصر السيادي هذه السياسة باعتبار أن المشروعات الحكومية، بصرف النظر عن طبيعتها، تحد من المنافسة وتصعّب دخول القطاع الخاص إلى بعض المجالات.
لكن الدراسة تشير إلى أن خطاب صندوق النقد لا يميز بصورة واضحة بين الأصول العامة وأصول الكيانات السيادية، ويتعامل مع الآثار السلبية المترتبة على ملكية الدولة في الحالتين باعتبارها متشابهة. ومن هنا، يرى الباحثان ضرورة إعادة النظر في الافتراضات التي تقف وراء موجة التخارج الحالية.
برزت صفقة رأس الحكمة في فبراير 2024 باعتبارها نقطة التحول الأهم في هذه الموجة، بعدما وقعت الحكومة المصرية اتفاقًا مع شركة أبوظبي القابضة «ADQ» لتطوير المنطقة الواقعة على الساحل الشمالي. وبلغت قيمة الصفقة نحو 35 مليار دولار، فيما أعلن رئيس الوزراء المصري أن إجمالي الاستثمارات المخصصة لتطوير مدينة رأس الحكمة قد يصل إلى 150 مليار دولار.
وتشير الدراسة إلى أن الصفقة تجاوزت في طبيعتها مجرد معاملة تجارية لبيع أرض، إذ أدت دورًا سياسيًا واقتصاديًا مباشرًا في توفير السيولة الدولارية للحكومة المصرية وتوسيع هامش الحركة المالي لديها، الأمر الذي ساعد على تحسين عدد من المؤشرات الاقتصادية الرئيسية، وعلى رأسها التضخم وسعر الصرف واحتياطيات النقد الأجنبي.
لكن الباحثين يشيران في المقابل إلى أن تأثير الصفقة على الدين الخارجي لم يستمر طويلًا. فقد انخفض الدين الخارجي من نحو 168 مليار دولار في نهاية عام 2023 إلى قرابة 152.2 مليار دولار في يونيو 2024، قبل أن يرتفع مجددًا إلى نحو 161.2 مليار دولار بحلول يونيو 2025، متجاوزًا مستواه في بداية الأزمة.
وكان تأثير الصفقة أكثر وضوحًا على احتياطيات النقد الأجنبي، التي ارتفعت بنحو 15 مليار دولار، من قرابة 35.2 مليار دولار إلى نحو 50 مليار دولار بنهاية عام 2024. وترى الدراسة أن هذه الأموال حسّنت شروط التمويل الخارجي للاقتصاد المصري، لكنها لم تعالج جذور الأزمة الهيكلية أو تقلص الدين الخارجي بصورة مستدامة.
وتربط الدراسة ذلك بنموذج اقتصادي يعتمد بصورة مفرطة على الإنشاءات والعقارات والمدن الجديدة، بينما ظل نصيب قطاع التصنيع من الناتج المحلي الإجمالي شبه مستقر خلال سنوات طويلة. وبحسب أحدث بيانات البنك المركزي التي تستشهد بها الدراسة، شكّل قطاعا الإنشاءات والعقارات نحو 19% من الناتج المحلي الإجمالي في يونيو 2022، بعدما ارتفعت مساهمتهما بنحو 5 نقاط مئوية منذ عام 2014.
ويرى الباحثان أن المشكلة لا تكمن في الاستثمار العقاري بحد ذاته، وإنما في تركّز الاستثمارات العامة والخاصة في قطاعات ذات قدرة محدودة على خلق سلاسل إنتاج مستدامة. فبينما تستفيد الإنشاءات من مدخلات قطاعات عديدة مثل الأسمنت والحديد والأسلاك الكهربائية، فإن مخرجاتها لا تدخل بالقدر نفسه في مراحل إنتاج لاحقة، بخلاف التصنيع الذي يمتلك روابط إنتاجية أمامية وخلفية أقوى.
ضعف الشفافية والرقابة على بيع أصول الدولة
تقول الدراسة إن موجة الاستحواذات الخليجية رافقها إطار قانوني ومؤسسي يحد من الشفافية والرقابة. وتظهر المشكلة، بحسب الباحثين، في تفاصيل الصفقات نفسها، وآليات تسعير الأصول، والاتفاقات المصاحبة لها.
وتستشهد الدراسة بصفقة بيع حصص في ثلاث شركات عاملة في قطاع البترول لصالح شركة أبوظبي القابضة، وهي الشركة المصرية لإنتاج الإيثيلين ومشتقاته «إيثيدكو»، والشركة الوطنية للحفر، والشركة المصرية لإنتاج الألكيل بنزين «إيلاب». فقد ضمن البنك المركزي المصري عائدًا ثابتًا قدره 8% سنويًا على قيمة الصفقة البالغة 800 مليون دولار لمدة أربع سنوات.
ويثير هذا الضمان، وفق الدراسة، تساؤلات حول طبيعة المخاطر التي يتحملها المستثمر الأجنبي، إذ إن ضمان عائد مرتفع وثابت قد يحول المستثمر عمليًا إلى دائن أكثر منه مستثمرًا يتحمل مخاطر السوق. كما لا تتوافر معلومات واضحة حول مصدر تغطية هذا العائد في حال تراجعت أرباح الشركات، وهو ما قد ينقل جزءًا من المخاطر في النهاية إلى المالية العامة المصرية.
وتنتقد الدراسة كذلك تراجع الفصل بين الوظائف التنفيذية والرقابية داخل مؤسسات الدولة، مشيرة إلى أن تدخل البنك المركزي في ضمان عائد لمستثمر أجنبي يثير تساؤلات حول استقلالية السلطة النقدية، فضلًا عن الدور الذي تؤديه الجهات الرقابية الأخرى، وعلى رأسها جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية.
ويبرز صندوق مصر السيادي باعتباره أحد أهم محاور الإشكالية المؤسسية. فمنذ تأسيسه عام 2018، توسعت محفظته لتشمل عددًا من الأصول الحكومية، بينها مجمع التحرير ومبنى وزارة الداخلية السابق ومبنى الحزب الوطني وقرية كنوز أكتوبر وعدد من الأراضي والمباني.
وتشير الدراسة إلى أن تعديلات قانون الصندوق عام 2020 أضافت قيودًا كبيرة على الطعن في قرارات نقل ملكية الأصول والعقود التي يبرمها الصندوق. كما حد قانون صدر عام 2014 من إمكانية الطعن على العقود الحكومية، وقصرها على أطراف التعاقد وأصحاب المصلحة المباشرة.
ويرى الباحثان أن هذه التشريعات أغلقت واحدة من أهم قنوات الرقابة القضائية والمجتمعية على بيع الأصول العامة، وحصنت عقود الحكومة من قدر كبير من المراجعة المستقلة. ومع نقل الشركات والأصول المباعة إلى صندوق مصر السيادي، تتعزز هذه الحماية القانونية، وفق الدراسة، لأن أصول الصندوق تُعامل باعتبارها أموالًا خاصة مملوكة للدولة وليست أموالًا عامة.
وتخلص الدراسة إلى أن معظم صفقات الاستحواذ تُبرم خارج البرلمان، فيما تظل أدوار أجهزة الرقابة والمنافسة محدودة. وقد ساهم ذلك، بحسب الباحثين، في تعزيز بعض الأوضاع الاحتكارية، كما ظهر في صفقة بيع 30% من الشركة الشرقية للدخان إلى مستثمرين إماراتيين، بالتزامن مع منح شركة إماراتية أخرى ترخيصًا جديدًا للتصنيع، بما أدى إلى انتقال جزء كبير من السيطرة على سوق التبغ المصرية من احتكار الدولة إلى مستثمرين إماراتيين.
ولا تتوقف آثار هذه الصفقات عند المؤسسات الاقتصادية. فعمليات الاستحواذ على الأراضي، ومنها رأس الحكمة والعلمين وأراضي أخرى، أثارت قضايا تتعلق بإزاحة السكان المحليين، وفي بعض الحالات الإخلاء القسري، وحقوق التعويض. وترى الدراسة أن غياب تقييم ملزم للأثر الاجتماعي وعدم إشراك المجتمعات المحلية في المفاوضات يحول التعويض المالي من أداة للعدالة إلى آلية احتواء اجتماعي تحددها السلطة التنفيذية بصورة منفردة.
هل تحقق الاستحواذات الخليجية تنمية مستدامة في مصر؟
تشكك الدراسة في قدرة موجة الاستثمارات الخليجية الحالية على إحداث تحول هيكلي في الاقتصاد المصري، وترى أنها عالجت حاجة قصيرة الأجل إلى الدولار أكثر مما عالجت اختلالات الاقتصاد على المدى الطويل.
ويصف الباحثان هذه السياسة بأنها حالة من «الدولار هو الملك»، إذ دفعت الحاجة العاجلة إلى العملة الصعبة الحكومة إلى بيع أصول منتجة، بما في ذلك شركات رابحة وذات أهمية استراتيجية، دون وجود تصور واضح لدورها داخل سياسة صناعية وتنموية أوسع.
ويرى الباحثان أن سياسات الخصخصة المرتبطة ببرامج صندوق النقد الدولي لم تعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في ضعف الأجور والمدخرات والاستثمار الخاص المنتج. وفي الوقت الذي يصر فيه الصندوق على تقليص دور الشركات المملوكة للدولة، تشير الدراسة إلى أن القطاع الخاص يسيطر أصلًا على أكثر من 85% من التصنيع، و89% من الإنشاءات، و99% من السياحة، بما يمثل أكثر من 75% من الناتج المحلي غير النفطي.
كما تنتقد الدراسة سرعة بيع الأصول، معتبرة أن ضغط الوقت والحاجة إلى توفير الدولار، إلى جانب توقعات خفض قيمة الجنيه، قد يؤثران في تقييم الأصول ويدفعان نحو بيعها بأقل من قيمتها الحقيقية.
وتوضح الدراسة أن جذب الاستثمار الأجنبي لا يكفي وحده لتحقيق التنمية. فالحكومة، وفق الباحثين، لم تربط غالبية الصفقات بالتزامات واضحة لحماية العمال والبيئة أو زيادة الطاقة الإنتاجية، كما لم تركز بما يكفي على جذب استثمارات كثيفة العمالة ومرتفعة الأجور تستطيع تعزيز المدخرات والاستثمار وتطوير قطاع خاص صغير ومتوسط أكثر قدرة على الاندماج في سلاسل الإنتاج.
وتلفت الدراسة إلى أن معظم الاستحواذات الخليجية ركزت على مشروعات قائمة، أو ما يعرف باستثمارات «Brownfield»، بدلًا من إنشاء مشروعات جديدة تضيف طاقات إنتاجية إلى الاقتصاد. كما تركزت الاستحواذات في قطاعات مثل البترول والكيماويات وتوليد الكهرباء والسياحة والضيافة، وهي قطاعات تضمن في كثير من الحالات سوقًا قائمًا وعوائد مرتفعة.
وفي المقابل، تعتمد الاستثمارات الجديدة بدرجة كبيرة على العقارات والإنشاءات، مستفيدة من السيولة الكبيرة الموجودة في السوق العقارية المصرية وقدرتها على تحقيق الأرباح وتقليل مخاطر الاستثمار.
وترى الدراسة أن هذه المعادلة تخدم أهداف الطرفين بصورة مؤقتة؛ فالحكومة المصرية تحصل على الدولار الذي تحتاج إليه سريعًا، بينما تحصل الصناديق الخليجية على أصول مربحة وفرص استثمارية طويلة الأجل. لكن هذا التوافق قد يتراجع مع مرور الوقت، خصوصًا مع خروج الأرباح إلى الخارج وما يترتب عليه من زيادة الطلب على العملات الأجنبية.
وتحذر الدراسة من أن الاستحواذات الحالية قد تتحول، في غياب سياسة واضحة للاستثمار الأجنبي، من وسيلة مؤقتة لتخفيف الأزمة إلى مصدر جديد لاستنزاف العملة الصعبة، لا سيما إذا لم تسهم الاستثمارات في زيادة الصادرات أو إحلال الواردات أو رفع الطاقة الإنتاجية.
وفي ختام الدراسة، يؤكد رمضان وغنام أن موجة الاستحواذات الخليجية في مصر خلال الفترة من 2022 إلى 2024 لا يمكن النظر إليها باعتبارها تدفقًا طبيعيًا للاستثمار الأجنبي فحسب، وإنما جاءت أيضًا كآلية لإدارة أزمة السيولة الدولارية التي ضربت الاقتصاد المصري. ويرى الباحثان أنها تمثل شكلًا جديدًا من الخصخصة، لكنه أكثر غموضًا من موجات الخصخصة السابقة.
وتدعو الدراسة إلى بناء إطار قانوني ومؤسسي واضح يحكم الاستثمارات الأجنبية والاستحواذات، بحيث لا تقتصر الحوكمة على الإفصاح والشفافية الشكلية، بل تشمل ضمان التسعير العادل للأصول، وإخضاع الصفقات للرقابة القضائية والمجتمعية، وربط الاستثمارات بزيادة الإنتاج والتوظيف والصادرات وحماية حقوق العمال والبيئة.
وتخلص الدراسة إلى أن التوافق الحالي بين الاحتياجات الدولارية قصيرة الأجل للحكومة المصرية واستراتيجيات رأس المال الخليجي القائمة على التحوط وتحقيق الأرباح يظل توافقًا مؤقتًا. وإذا لم يتحول إلى سياسة استثمارية متكاملة تراعي مصالح الدولة والمواطنين على المدى القصير والمتوسط والطويل، فقد تتحول المكاسب المالية الآنية إلى تكلفة اقتصادية واجتماعية أكبر في المستقبل، بدلًا من أن تقود الاستحواذات الخليجية إلى إصلاح هيكلي حقيقي للاقتصاد المصري.
https://www.arab-reform.net/publication/gulf-acquisitions-governance-in-egypt/

